مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
42
تفسير مقتنيات الدرر
بذلك تحت قوله تعالى تعالى : « فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ » « 1 » فقال الملك : ومن أحقّ به منك ؟ فولَّاه ذلك . واختلفوا في هذا الملك فمنهم من قال : هو العزيز . ومنهم من قال : بل هو الريّان الَّذي كان يقال له : الملك الأكبر . وهذا هو الأظهر لقوله : « أَسْتَخْلِصْه ُ لِنَفْسِي » وهو يدلّ على أنّه قبل ذلك ما كان خالصا وقد كان قبل ذلك خالصا للعزيز ولأنّ يوسف قال له : « اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأَرْضِ » ولأنّ العزيز كان اسمه اطفير والملك الأكبر اسمه ريّان . فلو قيل : لم طلب يوسف الإمارة من سلطان كافر والنبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله قال لعبد الرحمن بن سمرة أو لأبي ذرّ : لا تسأل الإمارة ؟ ولم طلب الخزائن مع أنّه يورث نوع تهمة ؟ وكيف مدح نفسه بقوله : « حَفِيظٌ عَلِيمٌ » وترك الاستثناء حيث يقول سبحانه : « وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً . إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّه ُ » « 2 » ؟ فالجواب أنّ التصرّف في أمور الخلق بطريق الصحّة كان واجبا عليه لأنّه كان رسولا من اللَّه إلى الخلق والرسول يجب عليه رعاية مصالح الامّة ، وقد علم بالوحي أنّه سيحصل القحط والضيق الشديد الَّذي يفضي إلى هلاك الخلق العظيم لو لم يباشر الولاية والسعي إلى إيصال النفع والخير إلى المستحقّين ، ودفع الضرر عنهم أمر راجح عقلا وهو كان مكلَّفا برعاية مصالح الخلق وما كان يمكنه رعايتها إلَّا بهذا الطريق فما لا يتمّ الواجب إلَّا به فهو واجب فكان هذا الأمر واجبا عليه خصوصا إذا كانت السلطة الأولى سلطة كفر . وأمّا ترك الاستثناء لأنّه لا يحصل ترديد للملك بأنّه لعلّ لا يتمكّن على ضبط هذه المصلحة فما استثنى . ولم مدح نفسه لأنّه لا نسلَّم أنّه كان مقصوده مدح نفسه بل كان مقصوده بيان هاتين الصفتين النافعتين لحصول المطلوب الواجب عليه وقد غلب على ظنّه أنّه لا بدّ من ذكر هذين الوصفين ذهب أنّه وصف نفسه إلَّا أنّ مدح النفس إنّما يكون مذموما إذا قصد الرجل به التطاول والتفاخر والتوصّل إلى غير ما يحلّ ، فأمّا على غير هذا الوجه فلا نسلَّم أنّه محرّم فقوله تعالى : « فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ » المراد منه تزكية النفس حال ما يعلم كونها غير متزكّية ، أو أن يكون المزكّي مرائيا ، والدليل عليه بعد
--> ( 1 ) النجم : 32 . ( 2 ) الكهف : 24 .